إبراهيم بن علي الحصري القيرواني

162

زهر الآداب وثمر الألباب

على الصّخر فلقه ، أو على [ الجمر أحرقه ، أو على ] الصّفا خرقه « 1 » ؛ قد أحسن السّفارة ، واستوفى العبارة ، وأدّى الألفاظ ، واستغرق الأغراض ، وأصاب شواكل المراد « 2 » ، وطبّق مفاصل السّداد ، وبسط لسان الخطاب ، ومدّ أطناب الإطناب « 3 » ، وطلب الأمد في الإسهاب ، قال حتى قال الكلام : لو أعفيت ! وكتب حتى قالت الأقلام : قد أحفيت ، قد اتّسع له مشرع الإطناب ، وانفرج له مسلك الإسهاب ، أرسل لسانه في ميدانه ، وأرخى له من عنانه ، قال وأطال ، وجال في بسط الكلام كلّ مجال ، إذا اسحنفر في الكلام طفح آذيّه ، وسال أتيّه « 4 » ، وانثال عليه الكلام كانثيال الغمام ، واستجاب له الخطاب كصوب الرّباب « 5 » . ألفاظ كغمزات الألحاظ ، ومعان كأنها فكّ عان « 6 » ! ألفاظ كما نوّرت الأشجار ، ومعان كما تنفّست الأسحار ، ألفاظ قد استعارت حلاوة العتاب بين الأحباب ، واستلانت كتشكَّى العشّاق يوم الفراق . كلام قريب شاسع « 7 » ومطمع مانع ، كالشمس تقرب ضياء ، وتبعد علاء ؛ أو كالماء يرخص موجودا ، ويغلو مفقودا . كلام لا تمجّه الآذان ، ولا تبليه الأزمان ، كالبشرى مسموعة ، أو أزاهير الرياض مجموعة ، ومعان كأنفاس الرياح ، تعبق بالرّيحان والراح . كلام سهل متسلسل ، كالمدام بماء الغمام ، يقرب إذنه على الأفهام . كلام كبرد الشّراب على الأكباد الحرار ، وبرد الشباب في خلع العذار . كلام كثير العيون ، سلس المتون ، رقيق الحواشى ، سهل النواحي .

--> « 1 » الصفا : الصخر « 2 » الشواكل : جمع شاكلة ، وهي ما بين الأذن والصدغ « 3 » الأطناب : الحبال ، واحدها طنب بضمتين ، نظير عنق وأعناق ( م ) « 4 » الآذى : الموج ، والأتى : السيل ، واسحنفر : اتسع - وأصل معناه مضى مسرعا ( م ) « 5 » الرباب : السحاب . « 6 » عان : أسير . « 7 » شاسع : بعيد